الراغب الأصفهاني
346
الذريعة إلى مكارم الشريعة
غليان الدم في القلب وملأت الشرايين والدماغ دخانا مظلما مضطر ما يسودّ منه مجال العقل ويضعف به فعله ، فكما أن الكهف الضيق إذا ملىء حريقا اختنق فيه الدخان واللهب وعلا منه الأجيج فيصعب علاجه وإطفاؤه ويصير كل ما يدنو منه مادة تقويه . فكذلك النفس إذا اشتعلت غضبا عميت عن الرشد ، وصمت عن الموعظة ، فتصير مواعظه مادة لغضبه ، ولهذا حكى عن إبليس لعنه اللّه أنه يقول : متى أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب لأنه ينقاد لي فيما أبتغيه منه ، ويعمل بما أريده وأرتضيه . وقد قيل الغضب جنون ساعة وربما أفضى إلى تلف باختناق حرارة القلب فيه وربما كان سببا لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف . وأسباب الغضب العجب والافتخار والمراء واللجاج والمزاح والتيه والضيم والاستهزاء وطلب ما فيه التنافس والتحاسد وشهوة الانتقام ، وحق من اعتراه غضبه أن يتفكر فإن كان المغضوب عليه تحت يده فلا معنى لاستشاطته إذ هو ممكن من الانتقام منه على سكون الجأش ، وإن كان غضبه على من لا سبيل له عليه فلا معنى لتعذيبه نفسه في الحال بل حقه أن يصبر حتى يتمكن منه ثم يفعل بالواجب ، وقد قال حكيم سد طريق الغضب قبل تلهب ناره في لحمك ودمك فإنما يمكن اطفاؤها قبل انتشارها فأما إذا اشتعلت فلا سبيل إلى إطفائها ، وقال سلطان لحكيم كيف لي أن لا أغضب فقال بأن تكون في كل وقت ذاكرا أنه يجب أن تطيع لا أن تطاع فقط ، وأن تخدم لا أن تخدم فقط ، وأن تحتمل لا أن تحتمل فقط ، وأن تتحقق أن اللّه يراك دائما فإذا فعلت ذلك لم تغضب وإن غضبت كان قليلا .